841 إعداماً منذ مطلع العام في إيران.. والأمم المتحدة تحذر من نمط ترهيب ممنهج
841 إعداماً منذ مطلع العام في إيران.. والأمم المتحدة تحذر من نمط ترهيب ممنهج
في مدن وبلدات متفرقة من إيران ما زالت عائلات تنتظر خبرا من محامٍ أو إشعارا من السجن ثم يأتي الاتصال البارد لتسلّم الجثمان، على هذا الإيقاع القاسي توثق الأمم المتحدة موجة إعدامات غير مسبوقة هذا العام وتدق ناقوس الخطر بشأن نمط منهجي يجعل العقوبة القصوى أداة ترهيب سياسي واجتماعي أكثر منها إجراء قضائيا يلتزم بضمانات العدالة.
ففي أحدث حصيلة أفادت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بأن السلطات الإيرانية أعدمت ما لا يقل عن 841 شخصا حتى 28 أغسطس 2025 محذّرة من أن العدد الحقيقي قد يكون أعلى بسبب غياب الشفافية.
تشير المفوضية إلى زيادة كبيرة خلال النصف الأول من 2025 مع تسجيل 110 إعدامات في يوليو وحده وارتفاع ملحوظ في القضايا المرتبطة بالمخدرات منذ مطلع العام، كما وثقت المفوضية سبع حالات إعدام علني منذ يناير الأمر الذي يضاعف آثار الصدمة على المجتمع، وتؤكد أن هذه المؤشرات تعكس استخداما منظما لعقوبة الإعدام كرسالة ردع عامة.
عام دامٍ يمد ظله من 2024
المنحنى التصاعدي ليس وليد هذا العام فقط، فقد سجّلت منظمة العفو الدولية في تقريرها العالمي أن إيران كانت مسؤولة عن النسبة الأكبر من الإعدامات المسجلة عالميا في 2024 وأن البلاد بلغت في 2023 أعلى رقم خلال ثماني سنوات مع 853 حالة، وهو ما ربطته المنظمة بتشديد القبضة بعد احتجاجات 2022 وتجدد الحملة الصارمة على قضايا المخدرات.
تُظهر بيانات منظمات الرصد الحقوقي أن جزءا كبيرا من أحكام الإعدام في إيران يتعلق بجرائم لا ترقى إلى معيار أشد الجرائم خطورة كما يحدده القانون الدولي لحقوق الإنسان، وعلى رأسها الجرائم المرتبطة بالمخدرات، وتوضح اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في تعليقها العام على المادة السادسة من العهد الدولي أن عقوبة الإعدام لا يجوز استخدامها إلا في الجرائم بالغة الخطورة التي تنطوي على قتل عمد، بينما تؤكد مفوضية الأمم المتحدة أن جرائم الفساد والمخدرات لا تستوفي هذا المعيار، وهذا التباين بين المعايير الدولية وما يجري على الأرض أحد أهم أسباب الانتقادات الموجهة لطهران.
أقليات ومهاجرون في مرمى الاستهداف
تُظهر إفادات الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية تَركُّزاً غير متناسب للإعدامات بين الأقليات القومية والدينية والمهاجرين، فقد أشارت مفوضية حقوق الإنسان إلى إعدام مواطنين أفغان وأفراد من الأقليات الكردية والعربية والبلوشية ضمن موجة هذا العام، بينما توثق تقارير مستقلة نمطاً يطول البلوش على نحو ملحوظ، ويضاعف ذلك شعور التمييز لدى مجتمعات تعاني أصلا من هشاشة اقتصادية واجتماعية.
خلال الأشهر الستة الأولى من 2025 أُعدم ما لا يقل عن 289 شخصا في قضايا مرتبطة بالمخدرات وفق المفوضية، في وقت رصدت منظمات مجتمع مدني زيادة حادة في وتيرة التنفيذ خلال الربع الأول من العام ثم في أبريل ويوليو، وبحسب بيانات مجمعة، ونادرا ما تُعلن السلطات رسميا عن هذه الإعدامات ما يفاقم عسرة التحقق من الأرقام ويعقّد إمكان مساءلة الأجهزة المنفذة.
ردود الأفعال الحقوقية والأممية
قال المفوض السامي فولكر تورك مطلع العام إنه يشعر بقلق بالغ من التصاعد الملحوظ في الإعدامات ودعا إلى وقف فوري للعقوبة والسير نحو إلغائها، بينما شددت المتحدثة باسم المفوضية رافينا شامداساني هذا الشهر على خطورة الإعدامات العلنية وآثارها الصادمة ولفتت إلى ضعف الشفافية واتساع دائرة المستهدفين من الفئات المهمشة، كذلك وثّقت العفو الدولية استمرار حملة الإعدامات باعتبارها محركا رئيسيا لارتفاع الأرقام عالميا، وطالبت بوقف التنفيذ في قضايا التعبير والاحتجاج والجرائم غير القاتلة، هذه الدعوات تتلاقى مع مواقف منظمات أخرى مثل هيومن رايتس ووتش وإيران هيومن رايتس التي وثقت ارتفاعات شهرية قياسية وأوصت بربط التعاون الدولي مع طهران بإصلاحات ملموسة ووقف الإعدامات.
القانون الدولي وحدود المشروعية
إيران دولة طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي يحمي الحق في الحياة ويقصر استخدام الإعدام على أشد الجرائم خطورة ويمنع قطعا إعدام من كانت أعمارهم دون الثامنة عشرة عند ارتكاب الجريمة، كما تحظر ضمانات الأمم المتحدة الخاصة بالمحكومين بالإعدام تنفيذ العقوبة بعد محاكمات تفتقر إلى أعلى معايير العدالة والإجراءات الواجبة، ويشير باحثون وتقارير حقوقية إلى أن إيران تدرج طيفا واسعا من الجرائم ضمن نطاق العقوبة القصوى وتطبق أحكاما على أحداث في إطار قضايا القصاص، وهو ما يضع سجلها على مسافة واضحة من الالتزامات الدولية.
تتقاطع إفادات المنظمات الأممية والمستقلة حول افتقار ملفات عديدة لضمانات المحاكمة العادلة وغياب العلنية وتقييد الوصول إلى المحامين واعترافات انتزعت تحت التعذيب، وتلفت تقارير إلى أن نسبة صغيرة فقط من الإعدامات يُعلن عنها رسميا فيما تغيب البيانات التفصيلية عن التهم وسير المحاكمة وإجراءات الاستئناف والعفو أو الدية في قضايا القصاص، هذا الغموض يضعف الثقة العامة في المؤسسة القضائية ويُصعّب على ذوي الضحايا والمجتمع المدني ملاحقة الانتهاكات أو توثيقها.
التداعيات الداخلية والانعكاسات الخارجية
وفق المفوضية العليا لحقوق الإنسان تترك أحكام الإعدامات المتوالية آثارا نفسية واجتماعية عميقة في أسر الضحايا ومجتمعاتهم، هناك أطفال يشاهدون مشاهد شنق علني بما تحمله من صدمات طويلة الأمد بحسب المفوضية، كما تتكاثر دوائر الحرمان عبر فقدان المعيل أو تجريم الفقر المرتبط بالاتجار الصغير بالمخدرات أو حيازتها، وتحت وطأة الخوف تتضاءل مساحات التعبير والاحتجاج السلمي وتتسع فجوة الثقة بين المواطنين والمؤسسات، فيما يدفع هاجس العقوبة القصوى بالبعض إلى الهجرة أو الانكفاء عن المجال العام.
خارجياً تؤثر موجة الإعدامات على علاقات إيران مع شركائها السياسيين والاقتصاديين وتزيد كلفة الانخراط الدبلوماسي معها في مجال حقوق الإنسان، وتكشف تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية عن مطلب متكرر بربط أي تعاون قضائي أو أمني أو في مكافحة المخدرات بضمانات عدم استخدام المعلومات أو الدعم لتعزيز آلة الإعدام، كما تتسع الدعوات داخل هيئات أممية وأوروبية لرفع كلفة الانتهاكات عبر آليات المساءلة الدولية ودعم الضحايا وعائلاتهم.
توصي الأمم المتحدة بوقف جميع الإعدامات فورا كخطوة أولى تليها مراجعة تشريعية لملاءمة القوانين الوطنية مع التزامات العهد الدولي، وإلغاء عقوبة الإعدام في الجرائم التي لا تنطوي على قتل عمد، ووقف الإعدامات العلنية نهائيا، وضمان محاكمات عادلة وشفافة أمام قضاء مستقل، أما المنظمات الحقوقية فتدعو إلى آليات توثيق أقوى ودعم لضحايا الانتهاكات وإلى حوار دولي صريح يضع الحق في الحياة في صدارة أي أجندة تعاون مع طهران.
تسجل إيران تاريخيا واحدا من أعلى معدلات الإعدام في العالم، فبعد احتجاجات 2022 اتجهت السلطات إلى تشديد القبضة بما في ذلك استخدام الإعدام على خلفية قضايا مرتبطة بالمخدرات والاحتجاجات السياسية، ما انعكس في قفزة إلى 853 حالة في 2023، وفق “العفو الدولية”، ومع دخول عامي 2024 و2025 استمر المنحنى التصاعدي إذ نسبت تقارير أممية ربع الإعدامات في النصف الأول من 2025 إلى قضايا المخدرات مع توثيق حالات إعدام علني ومخاوف جدية من محاكمات لا تستوفي المعايير الدولية.
إيران طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي يقصر تطبيق العقوبة على الجرائم الأشد ويؤكد ضمانات صارمة للمحاكمة العادلة، كما تحظر ضمانات الأمم المتحدة التنفيذ في غير الجرائم القاتلة أو بعد محاكمات معيبة.. هذا التباين بين الالتزامات والممارسة يفسر حجم الانتقادات والدعوات المتزايدة لوقف العقوبة والمضي نحو الإلغاء.